صديق الحسيني القنوجي البخاري
526
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال في الجمل والأولى أن يحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أيا كان وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد خصوص عشيرة رسولهم ، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من سائر القبائل وأصناف الخلق وهو صلى اللّه عليه وسلم كان يخاطب كل قوم بلغتهم ، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية لأنه لم يتفق أنه خاطب أحدا من أهلها ، ولو خاطبه لكلمه بها ، تأمل انتهى . فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ إضلاله فيه التفات عن التكلم إلى الغيبة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته ، والجملة مستأنفة . قال الفراء : إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه ، يعني لا يجوز نصبه عطفا على ما قبله لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى ، والرسل أرسلت للبيان لا للضلال . وقال الزجاج : ولو قرىء بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز ، والمعنى على الأول وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها ، ومع ذلك فإن المضل والهادي هو اللّه عزّ وجلّ ، والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله اللّه سبحانه واسطة وسببا ، وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدم عليها إذ هو إبقاء على الأصل ، والهداية انشاء ما لم يكن . وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغالبه مغالب في ملكه الْحَكِيمُ الذي تجري أفعاله على مقتضى الحكمة في صنعه . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 5 إلى 6 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 6 ) ثم لما بيّن أن المقصود من بعثة نبينا صلى اللّه عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ؛ أراد أن يبيّن أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلا ذلك وخص موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة المحمدية فقال وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى متلبسا بِآياتِنا التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات ، قاله مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير . أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ المعنى قلنا لموسى أخرج ، لأن الإرسال فيه معنى القول أو بأن أخرج بني إسرائيل بعد ملك فرعون من الكفر أو الجهل الذي قالوا بسببه اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إلى الإيمان أو العلم وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أي بوقائعه .